في مواجهة التوتر مع مالي.. إجماع موريتاني على التعقل وتغليب الحكمة

أثار دخول دوريات من الجيش المالي، خلال الأسابيع الماضية، إلى قرى حدودية يسكنها موريتانيون، موجة من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي؛ بين من يطالب بوضع حد لما يسميه الاستفزازات المتكررة من قبل الجيش المالي، ومن يدعو إلى عدم الانجرار خلف دعوات التأزيم والتصعيد مع الجارة الشرقية، التي تشهد منذ سنوات حالة من عدم الاستقرار.

 

ردود فعل

 

الأحداث الأخيرة على الحدود أعقبها تصريح لوالي الحوض الغربي محمد أحمد مولود، أثار هو الآخر ردود فعل واسعة، إذ اعتبر أن موريتانيا تمتلك القدرة على الوصول إلى العاصمة المالية باماكو في وقت وجيز، لكنها لا تتجه نحو التصعيد أو افتعال الأزمات.

 

وجاءت تصريحات الوالي خلال زيارة ميدانية شملت عددًا من المناطق الواقعة على الشريط الحدودي مع مالي، حيث اطّلع على الأوضاع الأمنية والمعيشية للسكان المحليين.

 

وأكد أن السلطات تعتمد مقاربة تقوم على التهدئة وضبط النفس، رغم الجاهزية للتعامل مع مختلف التحديات، مشددًا على أن الحفاظ على الاستقرار يظل أولوية في التعاطي مع الوضع الحدودي.

 

هذه التصريحات وغيرها دفعت بالنخب الموريتانية إلى التفاعل مع هذه الأحداث، حيث اتفق عدد من السياسيين والصحفيين في دعوات مكتوبة ومسجلة، على ضرورة تغليب الحكمة والحفاظ على نهج موريتانيا في ضبط والتعامل بحنو مع دولة مالي التي تعاني أزمات أمنية حادة.

 

هدوء موريتانيا مكسب يجب المحافظة عليه

 

وعلى الرغم من جو الشحن الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي في موريتانيا، إلا أن من علقوا على هذه الأحداث من ساسة ونخبة موريتانيا سواء من المعارضة أو الموالاة؛ اتفقوا على ضرورة التعامل بهدوء وحكمة مع التطورات التي تشهدها الحدود الشرقية للبلاد، حيث اعتبر النائب البرلماني المعارض العيد ولد محمدن، أن ما تُظهره موريتانيا وجيشها من صبر وحكمة في التعامل مع مالي يمثل "مكسبًا وطنيًا وإنجازًا في حد ذاته، داعيًا إلى الحفاظ عليه وعدم التفريط فيه".

 

وأكد ولد محمدن، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، أن هذا النهج القائم على الصبر والحكمة يجب أن يستمر مهما طال الزمن واتسعت التحديات.

 

 أما زميله النائب المعارض محمد الأمين سيدي مولود، فقد أكد في تدوينة على صفحته الشخصية، أن "الخطابات التصعيدية والبطولات الدونكشوتية والتهديد باحتلال البلدان والعواصم؛ لو كانت يجدي نفعا لاستفاد منه ترامب"، في إشارة إلى الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.

 

ودعا ولد سيدي مولود إلى التعايش مع الجيران، وإدارة الأزمات بحكمة وحذر وحزم، وإصلاح الشؤون الداخلية.

 

من جهته قال النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد، في مقطع صوتي متداول، إن سياسة ضبط النفس ورفض التصعيد التي ينتهجها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تجاه الجارة مالي "ليست ضعفا بل هي خطوة إيجابية تخدم المصلحة الوطنية"، وفق قوله.

 

ودعا النائب المعارض إلى النأي بالبلد عن الصراعات غير المحسوبة، محذرا من هدر الجهود في تصعيد "لا يمكن التنبؤ بنتائجه".

 

دعوة لضبط الحدود مع مالي

 

أما نائب مقاطعة كوبني ابحيدة ولد خطري، الذي أكد قبل أيام أن الجيش المالي دخل قرى موريتانية في دائرته الانتخابية للمرة الثالثة، طالب السلطات الموريتانية باتخاذ قرار واضح حول هذه القرى، وإبلاغ أهلها إذا كانت مالية.

 

وجاء في تدوينة نشرها على صفحته الشخصية: "هذه الزيارات المتكررة للجيش المالي لا تخيف الأهالي هناك ولن تجعلهم يغادرون قراهم وبالتالي ندعو حكومتنا إذا كانت تقر بأن هذه الأرض تابعة لدولة مالي أن تجتمع بالأهالي وتبلغهم بذلك وتبحث لهم عن بديل، غير ذلك هو تكرار لتجارب سابقة نتائجها معلومة لدى الجميع".

 

تحمس رسمي!

 

أما الكاتب الصحفي والمدير العام لوكالة الأخبار المستقلة الهيبة الشيخ سيداتي، فقد اعتبر أن والي الحوض الغربي "تحمس" أكثر من اللازم خلال حديثه الأخير.

 

وأضاف: "يجب على المسؤولين في المناطق الحدودية الانتباه لحساسة اللحظة وضبط الألفاظ واختيار العبارات بدقة عالية".

 

الجيش يوضح.. القرى التي زارها الماليون تقع في حدودهم

 

الجدل الذي بدأ بزيارات متكررة لوحدات من الجيش المالي لقرى يقطنها موريتانيون على الخط الحدودي المتداخل بين موريتانيا ومالي؛ وزادته حدته مع تصريحات والي الحوض الغربي الأخيرة، حاول الجيش الموريتاني امتصاصه عن طريق بيان يوضح أن القرى المذكورة تقع بالفعل خارج الحدود الموريتانية.

 

وأكد الجيش الوطني الموريتاني أن القرى التي دخلتها دوريات من القوات المالية، تقع بالكامل داخل التراب المالي.

 

وأوضح الجيش في بيان له، أن الزيارات الميدانية التي قامت بها القوات المالية شملت قرى "لبيزية" (6 كلم من الحدود)، و"كطع الدافع" (7 كلم من الحدود)، و"أهل إبراهيم" (10 كلم من الحدود)، و"فوصات" (8 كلم من الحدود).

 

وشدد البيان على أن هذه المناطق تقع داخل الأراضي المالية وفقاً للخرائط المعتمدة، مشيراً إلى أن مثل هذه الزيارات سبق وأن حدثت في فترات سابقة.

 

ودعا الجيش كافة الناشرين إلى تحري الدقة والمسؤولية في نقل الأخبار، وتجنب التهويل ونشر معلومات غير دقيقة قد تثير البلبلة،

 

وكان رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، قد أكد قبل أسابيع خلال لقاء مع رؤساء أحزاب سياسية، أن موريتانيا لن تنجرّ إلى أي تصعيد مع مالي، رغم التوتر الذي أعقب مقتل عدد من المواطنين الموريتانيين داخل الأراضي المالية.

 

وأوضح ولد الغزواني، أن القوات المسلحة منتشرة على طول الحدود وتؤمّنها بشكل كامل، مشدداً على أن حماية السيادة الوطنية ستتم بكل الوسائل الضرورية.

 

وأشار إلى أن الوضع الأمني في مالي يتسم بعدم الاستقرار نتيجة انتشار الجماعات المسلحة، مذكّراً بأن السلطات الموريتانية كانت قد حذّرت في وقت سابق المواطنين، خاصة في المناطق الحدودية، من التوجه إلى داخل الأراضي المالية.