حين تنتهي انتقادات رئيس الحكومة إلى مساءلة خيار رئيس الجمهورية/ اصنيب محمد

 

كان بإمكاني، كما فعل كثيرون غيري، أن أكتفي بإلقاء تعليق على المنشور الأخير للأستاذ المحامي محمد ولد أمين، الذي أعاد فيه، بصورة لا تخلو من إصرار لافت، شنّ هجوم مباشر على الوزير الأول المختار ولد اجاي. لكنني اخترت، بدوري، أن أكتب نصاً أعرض فيه وجهة نظري بصفتي «صحفياً» إزاء ما يعتبره الأستاذ ولد أمين «حقائق»، وهي في واقع الأمر، في تقديري، ليست سوى حلقة جديدة من حلقات الاستهداف المتواصل للوزير الأول المختار ولد اجاي.
فمن فرط الإمعان في توجيه الانتقادات إلى الرجل، ينتهي المحامي إلى التشكيك، ولو بصورة غير مباشرة، في خيار رئيس الجمهورية نفسه.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً بسيطاً: من اختار المختار ولد اجاي لتولي المسؤوليات التي يضطلع بها اليوم؟
لم يختر ولد اجاي من قبل نفسه، ولا من محيطه، ولا من شبكات التواصل الاجتماعي.
إنه خيار رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني المحض.
ولم يكن هذا الاختيار وليد ارتجال أو صدفة عابرة.
1. رئيس الجمهورية يعرف الرجال الذين يختارهم
لقد أتيح للرئيس الغزواني أن يتابع أداء المختار ولد اجاي عن قرب، قبل أن يعهد إليه بأرفع المسؤوليات الحكومية. فقد عيّنه أولاً وزيراً مديراً لديوان رئيس الجمهورية، مع تعزيز كبير لصلاحيات هذه الوظيفة، بحيث أصبحت في صدارة الترتيب البروتوكولي، وأصبح صاحبها يشارك في اجتماعات مجلس الوزراء.
لم تكن المسألة، إذن، تعييناً عابراً فرضته ظروف طارئة.
ثم، عندما دعت حاجة التطوير والتنمية إلى تغيير الوزير الأول بعد إعادة انتخاب رئيس الجمهورية ، وقع اختيار الرئيس مرة أخرى على المختار ولد اجاي.
قراران متتاليان، في مرحلتين مختلفتين، ولمهمتين مختلفتين، يحملان رسالة سياسية يصعب تجاهلها: رئيس الجمهورية يضع ثقته في هذا الرجل.
فهل ينبغي، والحالة هذه، أن نعتبر أن أولئك الذين يصرون على الطعن في المختار ولد اجاي يمتلكون من رجاحة البصيرة ما يفوق بصيرة رئيس الدولة؟
وهل يعرفون، أكثر منه، مؤهلات وكفاءات وحدود الرجل ، الذي عهد إليه بجزء أساسي من تنفيذ مشروعه الوطني؟
إنه سؤال مشروع، بل جدير بأن يُطرح بوضوح.
2. الوزير الأول على محك النتائج لا على ضجيج التعليقات
لا ينبغي اختزال السياسة في سباق للتعليقات والمنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي. فالوزير الأول لا يُقاس بعدد المنشورات التي تتناوله، ولا بحدة منتقديه، وإنما بقدرته على تحويل التوجهات الرئاسية إلى سياسات عمومية وإنجازات ملموسة.
ومنذ وصوله إلى الوزارة الأولى، يواجه المختار ولد اجاي هذه المسؤولية تحديداً.
فهو مطالب بتنسيق عمل الحكومة، وتسريع تنفيذ السياسات العمومية، والحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية، ومواكبة المشاريع الكبرى ذات الطابع الهيكلي، والاستجابة للتطلعات الاجتماعية، في بيئة إقليمية لا يمكن وصفها بالسهلة.
ومن الطبيعي أن تكون هناك قرارات قابلة للنقاش. ومن المشروع طلب التوضيحات، وتوجيه الانتقادات، بل وحتى الاعتراض على بعض التوجهات. فهذا من صميم الحياة الديمقراطية.
لكن بين النقد البنّاء والاستهداف الممنهج فارق جوهري.
فالأول يسعى إلى تصحيح العمل العمومي وتحسينه، أما الثاني فينتهي، مع مرور الوقت، إلى إعطاء الانطباع بأن الهدف لم يعد تصحيح سياسة أو تقويم أداء، وإنما النيل من رجل بعينه وتشويه صورته.
3. مفارقة التأييد والطعن في خيارات الرئيس
في قضية ولد أمين، ثمة مفارقة يصعب تجاهلها.
كيف يمكن إعلان دعم رئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه، الاعتراض بصورة متكررة على اختيار الرجل الذي وضعه الرئيس في صدارة العمل الحكومي؟
إذا كان المختار ولد اجاي، كما يزعم محامينا، «سيئاً» إلى هذا الحد، أو «عاجزاً» أو «غير مناسب» لتولي مسؤولياته، فإن سؤالاً آخر يفرض نفسه فوراً:
ماذا تقول هذه التسمية عن الشخص الذي اختاره؟
والحال أنه لا شيء يدعو إلى الاعتقاد بأن الرئيس الغزواني رجل يترك خياراته الأساسية للصدفة.
فمساره العسكري والسياسي منحه تجربة طويلة في إدارة الرجال، ومراقبة السلوكيات، وتقدير الكفاءات، وعندما يجدد ثقته في مسؤول ويتولى هذا الأخير وظائف بهذه الحساسية، فإن أقل ما يمكن فعله هو افتراض أن القرار يستند إلى تقدير يتجاوز بكثير التعليقات الآنية والأحكام المسبقة التي تعج بها شبكات التواصل الاجتماعي.
4. وماذا لو كانت المشكلة في مكان آخر؟
من المشروع أيضاً أن نتساءل عن الدوافع العميقة وراء هذا العداء المستمر.
فعندما يرى وزير سابق بعض المقربين منه يتولون مسؤوليات حكومية، بينما يظل هو نفسه بعيداً عن دوائر القرار، فإن التساؤل عما إذا كان سؤال «ولماذا ليس أنا؟» يؤدي دوراً في هذا الموقف، ليس ضرباً من العبث.
لكن الطموحات الشخصية، مهما كانت مشروعة في ذاتها، لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تختلط بالمصلحة العامة.
ومن ثم، لا يجوز تحويل المختار ولد اجاي إلى كبش فداء للإحباطات أو خيبات الأمل أو الطموحات التي لم تجد طريقها إلى التحقق.
فالجمهورية تقوم على مبدأ بسيط وواضح: المسؤوليات يتولاها من يملك دستورياً سلطة إسنادها، والحكم على أصحابها يكون بميزان المصلحة الوطنية والنتائج المحققة.
5. وقت الحكم الحقيقي، سيأتي.
ليس النقاش الحقيقي، إذن، هو معرفة من يحب المختار ولد اجاي أو يكرهه، أكان محامياً أم معلقاً أو ناشطاً على شبكات التواصل الاجتماعي.
النقاش الحقيقي هو: هل يستطيع الوزير الأول تنفيذ رؤية رئيس الجمهورية والاستجابة للتحديات التي تواجه البلاد؟
وهذا الحكم لا ينبغي أن تصدره شبكات التواصل الاجتماعي.
بل سيصدره الموريتانيون، من خلال النتائج، والإنجازات، والآثار الملموسة للسياسات العمومية، وهم الذين سيقدرون في نهاية المطاف حصيلة العمل المنجز.
لقد اتخذ الرئيس الغزواني قراره.
والآن، على المختار ولد اجاي أن يثبت، بالعمل والنتائج، أن الرئيس كان محقاً في اختياره.
وتلك هي أفضل إجابة يمكن أن يقدمها لأولئك الذين، وإن لم يكونوا في ميدان المعركة، نصبوا أنفسهم أوصياء على الصواب وموزعين للدروس على الآخرين.