الرجل الذي جعل من الاستقرار سلاحًا.. رحلة إلى قلب "منهج الغزواني"/ سليمان ولد ديدي

بعد سبع سنوات من وصوله إلى السلطة، جعل الرئيس الموريتاني من بلد ظل طويلًا على هامش المشهد؛ آخر جزيرة للاستقرار في منطقة مشتعلة.
بورتريه لمنهج: الصبر الذي ارتقى إلى مرتبة عقيدة للدولة.
لقياس المسافة التي قطعتها موريتانيا، ينبغي استحضار أجواء صيف 2019. جنرال متحفظ، رئيس أركان سابق، جلس طويلًا في الظل، وصل إلى أعلى منصب في البلاد وسط قدر كبير من الشكوك، والطموح، والآمال. كان يُنظر إليه على أنه سيقود فترة انتقالية، أو بالأحرى رئاسة لتصريف الأعمال، لفترة قصيرة. وبعد سبع سنوات، بدد محمد ولد الشيخ الغزواني كل التوقعات: أُعيد انتخابه من الجولة الأولى في يونيو 2024 بنسبة 56.12% من الأصوات، ترأس الاتحاد الإفريقي من فبراير 2024 إلى فبراير 2025، وأصبح الآن يحظى بالترحيب في قصر الإليزيه. موريتانيا، هذه الدولة الصحراوية الصغيرة الواقعة بين المغرب العربي وإفريقيا الغربية، تحولت إلى لاعب رئيسي في رقعة الشطرنج الساحلية. فكيف أصبح رجل اشتهر بصمته قبلة لأكثر قادة القارة للاستماع لرأيه، وخطب وده؟
رهان التهدئة الداخلية
بدأ كل شيء بخطوة لم تكن مألوفة كثيرًا في التاريخ الموريتاني: خفض التوتر. فقد اتسم العقد السابق بالتوتر، وبشخصنة السلطة، وبانعدام الثقة بين جهاز الدولة وجزء من الطبقة السياسية.
اختار غزواني الاتجاه المعاكس. فمنذ وصوله، أقام حوارًا مع مختلف مكونات الساحة الوطنية، وجعل التعايش السياسي منهجًا في الحكم، متنصلًا من أجواء التشنج من دون أن يدعي محو الخلافات، وهي الخلافات نفسها التي تشكل جوهر كل حياة ديمقراطية.
وقد أنتج هذا الهدوء، الذي أشاد به عدد كبير من الشركاء الدوليين باعتباره عاملًا أساسيًا للاستقرار، أثرًا نادرًا في المنطقة: مناخًا من الثقة.
ففي الوقت الذي تتجه فيه دول الجوار نحو العسكرة، اختارت موريتانيا نهج التهدئة.
جزيرة في ساحل مشتعل
تعود الإجابة أولًا إلى جغرافيا الفوضى. ففي الوقت الذي انقلبت فيه مالي وبوركينا فاسو والنيجر الواحدة تلو الأخرى عبر الانقلابات العسكرية، وقطعت علاقاتها مع باريس، لم تشهد موريتانيا منذ ستة عشر عامًا أي هجوم مسلح على أراضيها أو حدودها.
وهذا ليس معجزة، بل هو نتيجة عقيدة.
ففي الوقت الذي ترى فيه دول بقية منطقة الساحل العنف وهو يتشابك مع المطالب السياسية والطائفية، التي تعبر عن نفسها عبر سجلات إثنية وأيديولوجية وإقليمية، وتغذيها أنظمة متعاقبة لم تنجح قط في إخراج البلاد من دورة التمرد على الدولة، اختارت نواكشوط طريقًا معاكسًا.
الغزواني، وهو عسكري التكوين، واصل وعَمّق مقاربة فريدة: الحوار مع الموريتانيين الذين انخرطوا سابقًا في الجماعات المسلحة، وإعادة الإدماج بدل القمع وحده، إلى جانب مزيج متماسك من التنمية في المناطق الصحراوية واستهداف المناطق الحدودية بمشاريع تنموية.
الأمن هنا ليس غاية في حد ذاته، بل هو الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر.
وفي منطقة الساحل التي تتراجع فيها الدولة، اختارت موريتانيا أن تعزز دولتها وأن تجعل منها، بصورة غير مباشرة، نموذجًا.
وقد أصبح هذا الاستقرار ميزة استراتيجية. فعندما يجد الحلفاء الغربيون أنفسهم مضطرين إلى الاعتماد على أصابع يد واحدة في المنطقة، تظهر نواكشوط بوصفها الشريك الموثوق، المتوقع، وكثير التواصل.
لقد أصبحت العلاقات التي نسجتها موريتانيا مع فرنسا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة طويلة الأمد: استُقبل غزواني بحفاوة في مقر الحلف الأطلسي في بروكسل، ولم يدخل يومًا في قطيعة مع باريس، وحظي بتقدير واشنطن.
وكانت زيارة غزواني إلى باريس في أبريل 2026، وهي زيارة الدولة الأولى لرئيس موريتاني، تتجاوز مجرد زيارات العمل، قد كرست هذه الحقيقة: موريتانيا لم تعد شريكًا من بين شركاء آخرين، بل أصبحت الشريك الذي بقي.
الهجرة، والأمن، والطاقة، والمعادن: في كل هذه الملفات تحتاج فرنسا وأوروبا إلى نواكشوط أكثر بكثير مما تحتاجهما نواكشوط. وهو انقلاب لافت بالنسبة إلى بلد يقل عدد سكانه عن خمسة ملايين نسمة.
الغاز، أو وعد بإدارة عائدات منضبطة
هذا هو التحول الكبير الآخر في عهد غزواني، وربما الأكثر تأثيرًا من حيث العواقب.
في يناير 2025، بدأ حقل الغاز البحري «غراند تورتو أحميم» (GTA)، الذي يُستغل بشكل مشترك مع السنغال وبواسطة شركة BP، في تسليم أولى كميات الغاز؛ وفي أبريل غادرت أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال السواحل.
ومن يوم إلى آخر، دخلت موريتانيا نادي الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال.
وعلى مدى ثلاثة عقود، يمكن للمشروع أن يدر بين 15 و19 مليار دولار من الإيرادات الإضافية، أي ما يعادل نصف مليار دولار سنويًا أو أكثر.
لكن الرهان لم يعد اليوم يتمثل في الاستخراج، بل في حسن إدارة العائدات.
فغزواني ورث ذاكرة «اللعنات» الإفريقية المرتبطة بالمواد الأولية، حيث غالبًا ما أدت وفرة النفط إلى تغذية الافتراس بدل التنمية. ومن هنا جاءت إدارة تتسم بالتعمد في الحذر، وتستند إلى مؤسسات بريتون وودز.
وفي 24 يونيو 2026، وافق صندوق النقد الدولي على برنامج جديد مدته 42 شهرًا، مصحوب بدعم قدره 95.8 مليون دولار، بهدف تأطير مسار الإصلاحات.
وتبدو الأسس الاقتصادية مطمئنة بالفعل: نمو بنسبة 4% في 2025، ويتوقع أن يصل إلى نحو 4.8% في 2026، وتراجع التضخم إلى 1.5%، وهو من أدنى المعدلات في القارة، واحتياطات من النقد الأجنبي تغطي أكثر من خمسة أشهر من الواردات.
ويضاف إلى ذلك اليورانيوم والفوسفات، اللذان يتوسع استغلالهما، بما يرسم أفق اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على الحديد والصيد.
فالغاز ليس سوى الجزء الظاهر من إعادة هيكلة أوسع نطاقًا.
فخلال سبع سنوات، بدأت تتشكل بنية اقتصادية جديدة: صعود قطاع المناجم والموارد الطبيعية، وتكثيف شبكة الطرق، وإنشاء ممرات لوجستية تربط البلاد بجيرانها، ومشاريع في قطاعي الطاقة والمياه.
كما شرعت نواكشوط في عمل عميق لتحسين مناخ الأعمال والحوكمة الاقتصادية، بهدف معلن هو استقطاب المزيد من الاستثمارات الدولية وتحويل العائدات المعدنية إلى نسيج إنتاجي.
والطموح واضح: جعل الموارد ليست غاية في حد ذاتها، بل أداة للتنمية الشاملة.
لكن للحذر وجهًا آخر: فما زال النمو مدفوعًا بالقطاع الاستخراجي، في حين يكافح القطاع الإنتاجي خارج المناجم لمواكبة هذا المسار.
وهنا يتمحور السؤال الحقيقي في الولاية الثانية: إعادة التوزيع.
هل سيُغني الغاز دولة أم أمة؟
الدولة الاجتماعية، عمود فقري جديد:
وهنا تحديدًا أراد غزواني أن يترك بصمته؛ فالخيط الناظم لخطابه — «لا معنى للدولة إلا عندما تضع الإنسان في صميم عملها» — تُرجم إلى تغيير في حجم الإنفاق الاجتماعي.
وقد وجّهت وكالة تآزر، الذراع التنفيذي للتضامن الوطني، وبرنامج التحويلات النقدية تكافل، المساعدات إلى الأسر الأكثر هشاشة.
كما وُزعت مئات الآلاف من بطاقات التأمين الصحي، وأُطلقت «المدرسة الجمهورية» كجزء من عملية إصلاح شاملة، ولأول مرة منذ الاستقلال، جرى تمويل مشاريع هيكلية في مجالات الطاقة والمياه والطرق والصحة مباشرة من الميزانية الوطنية، بحجم يقارب 550 مليار أوقية قديمة.
وتظهر النتائج في الإحصاءات: فقد انخفض معدل الفقر من 27% في 2024 إلى 25.2% في 2025، ما أدى إلى إخراج نحو 55 ألف شخص من دائرة الهشاشة خلال عام واحد.
والمنحنى يتجه نحو الانخفاض، وإن كان ببطء، لكن الواقع يظل أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يزال غالبية الموريتانيين، وفق استطلاعات الرأي المستقلة، يعانون من أعباء الحياة اليومية، مثل انقطاعات الكهرباء وعدم المساواة في الوصول إلى المياه الجارية في أحياء نواكشوط.
فالدولة الحامية ما تزال مشروعًا، ولم تصبح بعد إنجازًا راسخًا.
لكن التحول واضح ولا يمكن إنكاره: لم يسبق للبعد الاجتماعي أن لعب هذا الدور الكبير في تشكيل العمل العام الموريتاني.
دبلوماسية التوازن الدقيق:
على الساحة الدولية، أتقن غزواني فنًا نادرًا: الحضور من دون استعراض.
فقد كانت رئاسته للاتحاد الإفريقي خلال 2024-2025 مثالًا على قيادة محايدة لكنها نشطة، قادته إلى إيصال صوت القارة إلى قمة مجموعة بريكس في قازان وإلى مؤتمر COP29 في باكو، حيث دافع عن تمويلات مبتكرة وعن صندوق للصمود المناخي.
وتكمن عبقرية هذا النهج في سعته: تكافؤ مفترض بين الجزائر والرباط، وحوار مستمر مع الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل من دون قطع العلاقات مع الغرب، وشراكة استراتيجية مع داكار، إلى جانب علاقات تُدار بعناية مع ممالك الخليج وواشنطن والمؤسسات المالية الكبرى.
وفي كل ملف إقليمي كبير — الأمن، والهجرة، والطاقة، ومكافحة الإرهاب — جعلت نواكشوط نفسها مكانًا يمكن للجميع زيارته في الوقت نفسه.
موريتانيا لا تختار معسكرًا؛ بل تجعل نفسها ضرورية للجميع.
وربما يكمن هنا سر العبقرية السياسية للرجل: إدراكه أن أفضل ما يمكن أن تمتلكه دولة صغيرة من نفوذ هو المنفعة.
فبينما يبحث الآخرون عن التألق، يبحث غزواني عن الرسوخ.
حفلة الإشادات:
وتظهر هذه المكانة أيضًا في نظرة الآخرين إليه.
فنادرًا ما أثار قائد موريتاني، خلال سنوات قليلة بهذا القدر، مثل هذا الإجماع من التقدير على أعلى مستويات الدول والمنظمات الدولية.
فقد أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بقيادته على رأس الاتحاد الإفريقي، ووصف موريتانيا بأنها شريك قوي للأمم المتحدة، مشيدًا بجهودها من أجل أمن القارة وتنميتها.
كما رأى فيه رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي محمد رجل توافق وحكمة، وأشاد بدوره في التضامن الإفريقي وإدارة الأزمات الإقليمية.
أما العواصم الغربية فلم تكن أقل إشادة.
فقد أشاد إيمانويل ماكرون بتمسك نظيره الموريتاني بالاستقرار والإصلاح والحوار، معتبرًا موريتانيا شريكًا موثوقًا على الواجهة الساحلية-الأطلسية.
ويرى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن موريتانيا شريك استراتيجي لمدريد، مشيدًا بالتعاون الوثيق في مجالات الأمن والهجرة والتنمية.
وتتجاوز دائرة الإشادة أوروبا وحدها: فقد أبرز الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان حكمة الرئيس الموريتاني ونمو التعاون الثنائي، في حين وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون العلاقات بين البلدين بأنها نموذجية، وأشاد بتعزيز التنسيق الإقليمي.
ومن الجزائر إلى أبوظبي، ومن نيويورك إلى باريس، تتكرر كلمة واحدة: الموثوقية.
تحديات الولاية الثانية:
لكن الصورة ستكون ناقصة من دون جوانبها المظلمة، والرئيس نفسه يعترف بها.
فإذا كانت السنوات السبع الأولى قد خُصصت أساسًا لإرساء الأسس — الاستقرار، والإصلاحات المؤسساتية، والحماية الاجتماعية، والمصداقية الدبلوماسية، والتحضير للاستثمارات الكبرى — فإن المرحلة الثانية تبدو أكثر صعوبة بكثير.
لقد دخلت البلاد عصر المشاريع العملاقة، فيما ينتظر السكان الآن أدلة ملموسة: خلق عدد كبير من الوظائف، وتعزيز القوة الشرائية، والتصنيع، وتنويع الاقتصاد، وقبل كل شيء، إعادة توزيع ثمار النمو بصورة عادلة.
فالعقد الضمني للولاية الثانية لم يعد يتمثل في طمأنة الناس، بل في تقديم النتائج.
ولا تنقص العقبات.
فالحوار الوطني الشامل الذي أُطلق في نهاية 2024 يعد بحملة تهدف إلى تعزيز التماسك، لكنه يصطدم بالمطالب المسبقة للمعارضة، التي ما تزال مثقلة بذكرى خمس جولات من المشاورات الفاشلة خلال عقدين.
كما بدأ السؤال الملتهب حول ولاية رئاسية ثالثة محتملة يثير النقاش.
ولا تزال الانقسامات القديمة في المجتمع الموريتاني — قضية العبودية، والتوترات المجتمعية، وتداعيات الماضي الإنساني — تمثل خطوط تصدع لن يكون النمو الاقتصادي وحده كافيًا لسدها.
لكن ربما تكمن قوة هذه الشخصية تحديدًا في هذا الوعي الواضح بالواقع.
فالغزواني لم يعد بالثورة يومًا؛ بل وعد بالاستمرارية، والاعتدال، والبناء المتأني للدولة.
وبعد سبع سنوات من بداية ولاية كان يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، أصبحت موريتانيا، رغم أنفاسها الدافئة ودبلوماسيتها المتحركة مع الرياح، مدفوعة بقناعة هادئة لرجل جعل من الاستمرار والصبر أسلوبًا في الحكم.
وفي منطقة الساحل حيث يحترق كل شيء، فإن معرفة كيف تصمد وتستمر هي في حد ذاتها انتصار
(1).jpg)