إقطاع النخبة السياسية/جعفر عبد الرحمن

 

تحتدم نقاشات الأحزاب والنخب السياسية في أغلب بلدان العالم حول المستقبل، ويكرس له علماء الاجتماع فيها جهدا مضنيا من أجل ضمان التقدم والتطور المتصاعد، في مقابل ذلك هنالك بلدان أخرى ترتهن للماضي من خلال نخب لا تقبل أن تشيخ،تمثل موريتانيا نموذجا صارخا لتلك البلدان التي تُحكم بحاضرٍ مزيّف يرتدي قناع الحاضر بينما هو في جوهره امتداد لا ينقطع لماض سحيق.

لا تزال السلطة وأدواتها في البلاد محتكرة في أياد محدودة، والحظوة وإمكانات الصعود الاجتماعي تتوارث بطرق عشائرية وقبلية بعيدة كل البعد عن الموضوعية والجهد الفردي، ولا تزال الأدوات الديموقراطية فيها مجرد شكليات فارغة من مضمونها الحقيقي، مستعاض عنها بطقس التملق والزيف والانقلابات الباردة باسم الاستقرار وضرورات الأمن؛ لتبقى الفاعلية السياسية ملكا مطلقا لصالح على وجوه لا يعتريها الخجل ولا المروءة على الأقل، أو على من يُشبهها من خلال إعادة التموقع وتبديل الجلود كما تفعل الأفاعي.

والمفارقة أن هذه النخبة لا تستمد مشروعية استمرارها من إنجاز ملموس، أو بحكم كفاءة مُثبتة، وإنمها محض الأسبقية، أسبقية الحضور في المشهد، أسبقية الانتماء القبلي، أسبقية تعالقات معقدة "من يعرف من"؟. وهذه شرعية لا تُكتسب، بل تتوارث ويعاد إنتاجها داخل الدائرة نفسها، بينما يُترك خارجها كل من لا نسب سياسي له.

لا يختلف اثنان على أن أزمة الدولة في موريتانيا ليست مجرد أزمة أداء أو أزمة حوكمة قابلة للإصلاح بمرسوم أو بحكومة جديدة، لكنها في الحقيقة أزمة شرعية صاحبتها منذ التأسيس حين غاب مكون كبير عن مؤتمر ألاگ، غياب غاب بفعل تمالئ المستعمر المغادر ومن أوكلهم على مصالحه من بعده، فتمخض عن هذا التأسيس الأعرج معضل الشرعية والطردية بينها وبين المجتمع الذي لم يعرف دولة مركزية من ذي قبل، فصارت المؤسسات الدولتية بنية أجنبية في عيون المواطنين ينظرون إليها كدولة كافرة يحق لهم كل ما تولوه من ما لَها) مشاريه(، وليست توحدا لإرادات جماعية أو تجسيدا لمصير مشترك، ولحظة اتفاق يتنازل فيها الأفراد عن جزء من حرياتهم الفردية مقابل حماية جماعية عادلة، تفرغ هذه الإرادة في مؤسسات عامة، لا سلطة تفرض من الأعلى إلى الأسفل، حتى أن هذه النظرة طالت كل مناحي حياتنا السياسية والجمعوية بعد ذلك، فلم تسلم منها حركة ولا حزبا سياسيا كلهم صاروا أدوات للتكسب والريع لا مشاريع أفقية تتجاوز من يرأسها، ربما نتج كل هذا عن غياب أي من مبررات قيام الدول في العادة، ) صراعات، قيام أمة لغوية أو دينية أو عرقية...( كما الحال في رواندا مثلا. 
فلم تتصادم إرادات لتنتج توازنًا وإنما وجدت الدولة ليتولد عن ميلادها تصادم المصالح ) السياسة اللغوية، التعليم، توزيع المناصب...( فدولتنا وُجدت بحدود وبنية رسمها المستعمر وخلفاءه دون أن يكون الموريتانيين هم من أرادوا ذلك، والنخبة التي أُفرزت، أفرزها عامل القرب من مستعمر استخلفها لا تفويض شعبي كلفها. ومنذ تلك اللحظة الصفرية، ظلت السلطة تبحث عن شرعية بديلة تُعوّضها عن غياب العقد المؤسس والأسطورة الجامعة، لتجدها في القبيلة وتحالف أوليغارشا مالية وعسكرية، وفي الولاء الشخصي، وفي توزيع الريع. هنالك حيث تبحث عنها كل أنظمة الحكم التي تفتقر إلى الشرعية الشعبية. 

فمن المعروف أن الإقطاع لا يموت، فقط إنما يُغيّر جلده ويصبغ أسنانه فوق الجير الأصفر، وليس من الحصافة السياسية الاعتقاد بأن الإقطاع السياسي شكل من أشكال التخلف الذي سينهيه الزمن تلقائيًا، بالعكس من ذلك تماما، فهو منظومة ذكية قابلة للتكيف والنجاة مرة بعد أخرى، وليس الإقطاع السياسي في موريتانيا إلا شكل أصيل من الإقطاع التقليدي، حداثيٌ في أدواته، يتمثل في مؤسسات حزبية وبرلمانية، وأبواق إعلامية وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي وخطابات حقوقية يُتقن مفرداتها أحيانًا أفضل من أصحاب المصلحة أنفسهم، لكنه في الحقيقة يشتغل بمنطق واحد لا يتغير! 
الولاء يُشترى، والزعامة تُورَّث، والمعارضة مجرد نسخة طبق الأصل مما تعارضه.

هنا تكمن الخديعة الكبرى التي يجب أن يعيها الشباب قبل أن يمنحوا حماسهم وطاقتهم لأي تنظيم أو أشخاص يعتقدون أنهم يقاسمونهم التحليل أو زوايا فهم الواقع وهي أنه ليس بفعل نضالي عظيم، مجرد معاداة السلطة الحاكمة، فكثير من المعارضات التي نعرفها اليوم لا تعارض مشروعا محددا أو بنية إجتماعية قائمة على الظلم والحيف والفساد أو منطقا إقطاعيا هي ضحيته في ناحية من نواحي الحياة، بل تعارض مجرد توزيعه وقصوره دون استفادتها؛ لا تريد كسر البنية الحاملة له، بل تريد مقعدًا أفضل داخلها. وهذا ما يفسر تتشابه خطابات السلطة والمعارضة في كثير من الأحيان إلى حد بات يصعب معه التمييز بينهما، وليست ممارسة تنظيمات لحراطين التي يفترض بها تقديم مشروع أفقي يتجاوز الزعيم والقائد الفرد وتكوين الشبيبة وتأطير الخطاب في إتجاه إقامة منظومة أخلاقية وسياسية بديلة للبنية الإقطاعية تصديقا للآية القرآنية) وتلك الأيام نداولها بين الناس ( أوتصديقا للفهم الماركسي للصراع، إلا أبرز دليل على ما قلته آنفا، فمنذ قيام حركة الحر 1978 لحد الآن ونحن أمام فشل تنظيمي ذريع مع غياب تام لتنظيم ديمقراطي تشاركي، يعزز مواقع الشباب ويتيح لهم الفرصة بناء على كفاءاتهم وتضحياتهم، الأمر الذي يوحي دون مواربة أن بقية التنظيمات السياسية البظانية وغيرها المحسوبة على الفلان والسوننكي مجرد إقطاعيات سياسية ريعية، تكرس منظومة سياسية فاسدة لا أمل عليها في بناء دولة العدالة، دولة العقد الإجتماعي، هل يمكن المواصلة في الرهان على لحراطين في هذا المسعى؟ 

ليس أخطر ما في هذه الوضعية كون هذه النخبة أمة فاسدة؛ فالفساد نظريًا قابل للمحاسبة، وإنما قناعتها اليقينية بأن لا نهاية لصلاحيتها. فهي حين تُسأل التناوب، تجيب بأنها الضامن للإستقرار، وحين تُسأل عن الشباب، تجيب بأنه لم ينضج بعد، وحين يُحتجّ عليها بالدستور، تقدم حججها بأن الدستور ليس قرآنا وكأن للقرآن عندها حظ من التقديس، بل تصر أن الدستور دستورها هي وبالتالي تملك حق تأويله أو تعليقه أو خرقه، متناسية كذبة أن الشعب أقره ذات يوم في انتخابات علنية وديمقراطية حرة، وأنها هي وحدها لها حق التصرف، كما للفقهاء وحدهم حق تفسير النص المقدّس!!. إنه منطق كهنوتي متخلف، فالسياسي حين يرفض تحديد أفق زمني لبقائه، فهو لا يمارس السياسة نهائيا، بل يمارس ما يمكن القول بأنه وصاية أبدية مثلما مارستها الكنيسة الكاتوليكية باسم الرب، إلا أنه يمارسها هنا باسم الاستقرار أو تجربة النخبة أو حداثة الشباب الزائفة.

مع هذا كله لا يجوز أبدا إعفاء الشباب من المساءلة، فمن السهل أن نُحمّل النخبة كل أوزارنا، وأن نتناسى أن كثيرًا من الشباب، حين أُتيحت له فرصة نادرة للفعل اختار الطريق الأقصر، طريق الانضمام إلى الإقطاع بدل بناء ديمقراطي بديل من المؤكد أنه صعب. فالإحباط مبرَّر، لكنه ليس عذرًا كافيًا.
فالتحرر من الإقطاع لا يكون بالهروب منه إلى صمت مريح، وإنما بالصراخ في وجهه وعدم تركه في غرفه المكيفة بلا تنغيص.
وفي الختام أريد التنبيه إلى أن شرعية الفعل وحق المشاركة ليست منحة بلا فوائد
"intérêts"
 أو صك على بياض لكنها تُنتزع بالعمل وموضوعية مطالبها، وأن نخبة الإقطاع السياسي لن تستقيل من تلقاء نفسها؛ فالتاريخ لم يسجّل حالة واحدة تنازلت فيها سلطة ما عن امتيازاتها طواعية لمجرد أن الأخلاق تقتضي ذلك. فالاستقالة، حين تحدث، تكون منتزعة، لا ممنوحة؛ تُنتزع بأدوات لا تشبه أدوات النخبة نفسها، ينتزعها جيل يرفض أن يكون طبّالًا لزعيم، وبأحزاب تُبنى من الفكرة لا من القرابة الزبونية، وبخطاب سياسي يُعيد الاعتبار لصندوق الاقتراع بوصفه الأداة الوحيدة المشروعة لحسم الخلاف على السلطة.
فإما أن نخترع كموريتانيون لحظتنا التأسيسية الخاصة، تلك اللحظة التي تأخرت كثيرا وإما أن نظل أربعين سنة تائهين في الأرض، بل إلى الأبد في فلك نخبة لا تشيخ إلا أجسادها.