المشاركة السياسية للفئات الهشة في مقطع لحجار من الهامش إلى دائرة القرار/ الباه الناجي الحاج ماجي

انطلاقا من اهتمامي بالشأن السياسي، وفاعليتي ضمن المشهد السياسي المحلي أرى السؤال المركزي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: أين وصلت مشاركة الفئات الهشة في المشهد السياسي ؟وهل تلك الفئات اليوم في هامش المشهد أم متنه؟ وهل نحن نسير في الاتجاه الصحيح، أم أن هناك اختلالات ما تزال بحاجة إلى معالجة حتى نصل بتلك الفئات إلى دائرة القرار ؟

 

إن مقاربة واقع الفئات الهشة لا يمكن أن تتم بمعزل عن التاريخ؛ فالحاضر، في جانب منه، امتداد لتراكمات اجتماعية وسياسية وثقافية تشكلت عبر عقود.

 

وقد ورثنا عن الإدارة الاستعمارية تركة سياسية واجتماعية ثقيلة، قامت في جانب منها على الاعتماد على الأدوات التقليدية وتوزيع المكاسب السياسية عليها، بهدف تكريس النفوذ والحصول على الشرعية اللازمة لإدارة الواقع الاستعماري.

 

وبعد الاستقلال، استمر جزء من هذه البنية في التأثير على الحياة السياسية، ولم يكن الانتقال إلى واقع أكثر عدالة ومساواة أمرًا سهلًا. غير أن الحركات والتيارات السياسية التي حملت مطالب الفئات الهشة لعبت دورًا مهمًا في طرح قضية المساواة والعدالة الاجتماعية، والدعوة إلى إلقاء الرق ومحاربة مخلفاته بدمج تلك الفئات في الحياة العامة وفتح المجال أمام قيادات هذه الفئات للمشاركة في صناعة القرار والحضور في المشهد السياسي.

 

وقد كان للكادحين والبعثيين والليبراليين، بدرجات متفاوتة، إسهام كبير في ترسيخ خطاب سياسي واجتماعي جعل من المساواة وتكافؤ الفرص جزءًا من النقاش العام ،من التهميش إلى الوعي بضرورة المشاركة 

 

ورغم ذلك ظلت مشاركة هذه الفئات في مراحل طويلة محدودة وخجولة، حتى بدأت عوامل أخرى، وفي مقدمتها التعليم، تحدث تحولًا عميقًا في وعيها بذاتها وبحقوقها وبقدرتها على الحضور في المجال العام.

 

فقد شهد التعليم في أوساط هذه الفئات تطورًا كبيرًا، وأصبح أحد أهم روافع الوعي الجديد؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على المطالبة بالحقوق، وإنما انتقل تدريجيًا إلى السعي للمشاركة في المؤسسات السياسية والإدارية، وإثبات القدرة على تحمل المسؤولية وصناعة القرار ؟

 

وفي هذا السياق، يمكن استحضار عدد من المحطات التي حملت دلالات سياسية واجتماعية مهمة؛ من بينها إسناد رئاسة الحكومة لأحد أبناء الحراطين في عهد الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع،ثم بروز مسعود ولد بلخير كفاعل سياسي وطني بارز، وما رافق المرحلة الانتقالية التي أعقبت الإطاحة بنظام ولد الطايع من تطورات كرست بداية مسار ديمقراطي جديد.

 

وقد أسهمت تلك التحولات، رغم ما رافقها من ملاحظات وانتقادات، في بروز جيل جديد من أبناء هذه الفئات أكثر ثقة بالنفس، وأكثر حضورًا في الحياة العامة، وأكثر قدرة على التعبير عن تطلعاته والمشاركة في صياغة المشهد السياسي.

 

غير أن هذا المسار لم يكن دائمًا مستقرًا؛ فقد أسهمت بعض المواقف والخطابات الحادة، وأحيانًا بعض الخطابات ذات الطابع العنصري، في إرباك هذا الجهد وإضعاف قدرته على الاستمرار، وهو ما يؤكد أن التمكين السياسي لا يحتاج فقط إلى فتح الأبواب، وإنما يحتاج أيضًا إلى خطاب مسؤول، ووعي بالمصلحة العامة، وقدرة على تحويل الحقوق المشروعة إلى ممارسة سياسية راشدة ،

مرحلة جديدة من الانفتاح والتمكين .

 

ومع وصول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، شهد المشهد السياسي انفتاحًا ملحوظًا على مختلف الفئات، مع تأكيد متكرر على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتمكين الشباب والنساء والفئات التي عانت من التهميش.

 

وقد تجسد ذلك في عدد من الإجراءات والممارسات السياسية، من بينها تعزيز حضور الشباب والنساء في المجال السياسي والتنفيذي، واستحداث لوائح انتخابية مخصصة للشباب وأخرى للنساء، إلى جانب سياسات وإجراءات استهدفت معالجة بعض مظاهر التهميش ورفع الحيف عن الفئات الأقل حظًا في المشاركة.

 

كما أن إسناد مسؤوليات حكومية سامية إلى شخصيات من هذه الفئات حمل، في دلالته السياسية والاجتماعية، رسالة واضحة مفادها أن معيار المشاركة ينبغي أن يتجه بصورة متزايدة نحو الكفاءة والقدرة والاستحقاق، بعيدًا عن التصنيفات التقليدية.

 

وعلى المستوى المحلي في مقاطعة مقطع لحجار، فإن وصول نائب من هذه الفئات للبرلمان إلى جانب الحضور المتزايد للشباب والنساء في المشهد السياسي المحلي، يمثل محطة جديرة بالتأمل والنقاش؛ لأنها تفتح المجال أمام قراءة جديدة لطبيعة المشاركة السياسية، وتؤكد أن المجال العام قادر على استيعاب وجوه وطاقات جديدة.

 

وهذه، في تقديري، خطوات تستحق التثمين، ليس باعتبارها نهاية الطريق، وإنما باعتبارها بداية لمسار ينبغي أن يتعزز ويتطور، حتى يصبح التمكين ممارسة مؤسسية مستدامة، لا مجرد استحقاق ظرفي .

 

إن مقطع لحجار، بما راكمه من تجربة سياسية واجتماعية، يمتلك من المقومات ما يؤهله لتقديم نموذج مختلف في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي.

 

لكن بلوغ هذا الهدف يتطلب تجاوز منطق الصراع على الماضي، والانتقال إلى منطق بناء المستقبل؛ فالمطلوب ليس إنكار المظالم التاريخية ولا تجاهل ما عانته بعض الفئات، كما أنه ليس من الحكمة أن يتحول الماضي إلى قيد دائم على الحاضر.

 

نحن بحاجة إلى قراءة منصفة للتاريخ، تحفظ الذاكرة دون أن تجعل منها وقودًا للصراع، وتعترف بالمكتسبات دون أن تغطي على الاختلالات، وتدفع نحو المشاركة دون أن تجعل من الانتماء الاجتماعي أو الفئوي معيارًا وحيدًا للتمثيل.

 

ومن هنا، فإن التمكين الحقيقي لا يعني إقصاء فئة لصالح أخرى، وإنما يعني توسيع دائرة المشاركة، وتكافؤ الفرص، وإتاحة المجال أمام الكفاءات، وتعزيز حضور الشباب والنساء، وترسيخ ثقافة سياسية تقوم على الحوار والاحترام والمسؤولية.

 

نحو ممارسة سياسية أكثر نضجًا

 

وفي ظل ما يطرح من توجهات نحو تعزيز حضور الشباب، وما تحقق خلال السنوات الماضية من مكتسبات في مجال المشاركة السياسية، فإن مسؤوليتنا اليوم تتمثل في المحافظة على هذه المكتسبات وتطويرها، من خلال مشاركة سياسية واعية، تدرك حجم التحديات وتستفيد من الفرص المتاحة.

 

ولا ينبغي أن نحصر رؤيتنا في الجزء الفارغ من الكأس؛ فالمشهد، رغم ما يعتريه من تحديات، يحمل الكثير من المؤشرات الإيجابية التي يمكن البناء عليها.

 

ومقطع لحجار، بما يملكه من وعي اجتماعي وتجربة سياسية متراكمة، قادر على أن يقدم نموذجًا في تحقيق التوازن بين الاعتراف بالماضي وبناء المستقبل، وبين المطالبة بالحقوق وتحمّل المسؤوليات، وبين التمكين والحفاظ على وحدة المجتمع.

 

ومن هنا، فإن نقاش هذه المواضيع مطلوب لأن المجتمعات لا تبني مستقبلها بالصمت، ولا تعالج اختلالاتها بتجاهلها، وإنما بالحوار الصريح والمسؤول، وبالقدرة على تحويل الاختلاف إلى فرصة للبناء.

 

ولعل مقطع لحجار، بما عرف به من حضور سياسي وثقافي واجتماعي، يكون قادرًا على أن يقدم هذا النموذج؛ نموذجًا يرى فيه كل مكوّن نفسه شريكًا، وكل شاب مستقبله، وكل امرأة مكانتها، وكل مواطن حقه في المشاركة، دون غمط للإنجازؤات، ودون إنكار للتحديات، ودون انجرار وراء الشعارات.

 

فالمستقبل لا يُبنى بإقصاء الماضي، ولا بالارتهان له، وإنما بفهمه وتجاوزه نحو فضاء أرحب من المشاركة والإنصاف والمسؤولية. الباه الناجي الحاج ماجي خلف نائبة مقطع لحجار