ديمقراطية الجنوب والمأموريات الرئاسية/ حمود ولد اعلي

تقوم الديمقراطية، في أسمى معانيها، على فكرة بسيطة: السلطة مِلكٌ للشعب، ويجب أن تُمارَس في ظل احترام إرادته وحقوقه وكرامته. وهي تفترض حرية التعبير، ومشاركة المواطنين، ومساءلة الحكّام، وحكامةً رشيدة على الصُّعُد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذا التعريف المبدئي لا يعني البتّة أن كيفيات تطبيقها يمكن أن تكون واحدةً في كل مكان.
حين شجّع الرئيس فرانسوا ميتران، في مؤتمر لابول سنة 1990، الدولَ الإفريقية على المضيّ قُدُمًا في طريق التعددية الديمقراطية، كان يعبّر عن توجّه سياسي سيُحدث تحوّلًا عميقًا في المشهد المؤسسي للقارة. بيد أن تطبيق نماذج مستوحاة إلى حدّ بعيد من الديمقراطيات الغربية ما كان له أن يتجاهل الواقع الخاص بالمجتمعات الإفريقية: تدنّي مستويات المعيشة، واستمرار تفشّي الأمية على نطاق واسع، وثقل البنى القبلية والجماعية، والتنوّع العرقي، ونفوذ المرجعيات الدينية، واستمرار أشكال تقليدية من الولاء. ففي مجتمعٍ لا يزال جزء كبير من سكانه فقيرًا، ومحرومًا أحيانًا من أبسط وسائل التعليم، لا يمكن استيعاب مبادئ الدولة الحديثة وآلياتها المعقّدة بين عشيّة وضحاها.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تُفرَض بمرسوم؛ بل تُتعلَّم وتُبنى وتترسّخ تدريجيًّا في الوعي الجمعي. وتظلّ مقولة أبراهام لينكولن الشهيرة، في هذا الصدد، على قدرٍ لافت من البساطة: «حكمُ الشعب، بالشعب، ومن أجل الشعب». لكن يبقى من الضروري تحديد الكيفية التي يريد بها كل شعب أن يُجسِّد هذا التعريف. ولذلك أظلّ مقتنعًا بأنه لا توجد ديمقراطية كونية واحدة، متطابقة في أشكالها وآلياتها، تصلح للتطبيق على جميع الأمم دون تمييز.
ثمّة مبادئ ديمقراطية كونية: احترام القانون، والمساواة، والحريات، والكرامة الإنسانية، والإرادة الشعبية. غير أن ترجمتها المؤسسية ينبغي أن تراعي تاريخ كل بلد وثقافته وواقعه الاقتصادي والاجتماعي. فالمملكة المتحدة يمكن أن تُعَدّ، عن جدارة، واحدةً من كبرى التقاليد الديمقراطية في العالم، لكن نموذجها لا يمكن، لهذا السبب وحده، أن يُنقَل نقلًا آليًّا إلى سائر المجتمعات. فالديمقراطية الأصيلة هي تلك التي تُفلح في التوفيق بين المبادئ الكونية والخصوصيات التي ينفرد بها كل شعب. وقد كان للجنرال ديغول ذلك الحسّ السياسي العميق بالأمور حين ذكّر بأنه «لا قيمة لأيّ سياسة بمعزل عن الواقع». وأرى أن هذه الحكمة ينبغي أن تلازم كل تفكير في المؤسسات وفي تكييفها مع المجتمعات الموجَّهة إليها.
في مطلع عام 1987، حين كنت أمارس مهامي سفيرًا في باريس، ظلّ لقاءٌ بعينه حاضرًا في ذاكرتي على نحو خاص. فقد توجّهت إلى مستشفى «لا بيتيه-سالبيتريير» لأقدّم، باسم الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، باقة زهور إلى الرئيس النيجري سيني كونتشي، الذي كان يتلقّى العلاج فيه، وأنقل إليه تمنّيات رئيس الجمهورية له بالشفاء العاجل. كان الرئيس كونتشي آنذاك منهَكًا جدًّا. وعلى الرغم من الإعياء وآلام المرض، حرص على أن يشكرني بحرارة، وكلّفني بأن أنقل إلى الرئيس معاوية تحيّاته الأخوية. وفي أثناء حديثنا القصير، أذكر أنني طرحت عليه سؤالًا يبدو لي، بعد مرور الزمن، أقلَّ براءةً مما بدا عليه حينها:
«سيادة الرئيس، لماذا يستريح رؤساء دولنا أقلَّ بكثير من رؤساء الدول الأوروبية؟»
فنظر إليّ وأجابني بتلك البساطة التي تميّز الرجال الذين اعتادوا حمل المسؤوليات الجسام:
«سعادة السفير، لا يمكننا أن نستريح مع كل هذه الأكوام من المشاكل التي نواجهها.»
ظلّ هذا الجواب، على إيجازه وقوّة وقعه، عالقًا في ذاكرتي. فخلف هذه الكلمات القليلة كان يرتسم كلُّ الفرق بين المسؤوليات التي كان يواجهها القادة الأفارقة وتلك التي يواجهها نظراؤهم الأوروبيون. فـ«أكوام المشاكل»التي تحدّث عنها الرئيس كونتشي كانت تختزل وحدها الصعوبات الهائلة، الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والأمنية، التي كانت تواجهها دولنا. وقد قادني هذا الحديث أيضًا، على مرّ السنين، إلى التأمّل في مسألة المؤسسات السياسية، ولا سيّما مسألة تحديد المأموريات الرئاسية.
لا يسعني بطبيعة الحال أن أتجاهل ضرورة التناوب على السلطة، ولا الخطر الذي تمثّله ممارستها إلى ما لا نهاية. لكنني أرى أن أيّ قاعدة مؤسسية لا ينبغي أبدًا أن تُصاغ بمعزل عن الواقع الذي تُطبَّق عليه. ففي موريتانيا، كما في سائر البلدان النامية، قد تكتشف الشعوب، خلال مأمورية ما، قائدًا تستجيب خصاله في الحكم وخبرته وقدرته على قيادة الإصلاحات لمصالح الأمة استجابةً حقيقية. فلماذا تُمنَع مبدئيًّا من تجديد ثقتها في هذا الرجل إن هي أرادت ذلك بمحض حرّيتها؟ أوَليست الديمقراطية، قبل كل شيء، هي القدرة الممنوحة للشعب على الاختيار؟ هنا يكمن، في نظري، أحد التناقضات التي واجهتها الديمقراطيات الإفريقية الفتيّة أحيانًا: الرغبة في استيراد آليات نظامٍ ما دون أن تُراعى دائمًا الظروف التاريخية والاجتماعية التي مكّنت ذلك النظام من أن يعمل في أماكن أخرى.
كثيرًا ما يتحمّل رؤساء دول الجنوب مسؤوليات أثقل، ويواجهون صعوبات أكثر مما يواجهه رؤساء دول الشمال. فعليهم في آنٍ واحد أن يبنوا مؤسساتهم، ويُنمّوا اقتصاداتهم، ويكافحوا الفقر، ويكفلوا تعليم شعوبهم، ويعزّزوا إداراتهم، ويصونوا وحدتهم الوطنية، ويستجيبوا لمتطلّبات عالمٍ في طور التحوّل.
وفي ظلّ هذه الظروف، قد تشكّل الخبرة والاستمرارية والاستقرار، أحيانًا، موارد سياسية لا تقلّ قيمةً عن التناوب.
ولعلّ السؤال الحقيقي، إذن، ليس كم ينبغي للحاكم أن يبقى في السلطة، بل كيف تُمارَس السلطة، وباسم مَن، وفي أيّ حدود، وتحت أيّ رقابة، ولأيّ غاية. فالديمقراطية الجديرة بهذا الاسم لا يكفي أن تنظّم تداول الأشخاص على السلطة؛ بل عليها قبل كل شيء أن تضمن تداول الأفكار، وحرية المواطن، ومسؤولية الحاكم، وأولوية المصلحة العامة. ذلك أنه، فيما وراء الدساتير والانتخابات والمؤسسات، تبقى ثمّة حقيقة سياسية علّمتني إيّاها التجربة: لا يمكن لشعبٍ أن يستعير من شعب آخر طريقته في الحكم استعارةً دائمة دون أن يسعى أولًا إلى فهم تاريخه وقيمه وواقعه الخاص. وبهذا الشرط وحده تكفّ الديمقراطية عن أن تكون نموذجًا مستوردًا، لتغدو ثقافةً وطنيةً حقيقية.
حمود ولد اعلي
وزير سابق وسفير سابق
(1).jpg)